الرهبنة الفرنسيسكانية بمصر، إقليم الأخوة الأصاغر

اجتماع الإخوة الرهبان بمنطقة الإسكندرية

0

٢٣ أبريل ٢٠٢٦

دير سانت كاترين- الإسكندرية

في روح اليوبيل المئوي الثامن لانتقال أبينا الساروفي القديس فرنسيس الأسيزي، اجتمع الإخوة الرهبان بمنطقة الإسكندرية، في لقاء مملوء نعمة وتأمل، تحت عنوان بسيط في كلماته، عميق في معناه:

“الرب أعطاني إخوة”.

هذا القول الذي خرج من قلب فرنسيس لم يكن مجرد تعبير إنساني عن صداقة أو رفقة، بل كان إعلانًا لسرّ دعوة، حيث تتحول الحياة من “أنا” إلى “نحن”، ومن عزلة إلى شركة، ومن امتلاك إلى عطاء. فالأخ في نظر فرنسيس ليس اختيارًا بشريًا، بل عطية إلهية، ومسؤولية حب، وطريق قداسة.

انطلق اللقاء من إنجيل الإرسال، من بشارة إنجيل مرقس (٦: ٧-١٣)، حيث دعا الرب يسوع تلاميذه وأرسلهم اثنين اثنين. لم يرسلهم فرادى، لأن الرسالة لا تُعاش في الوحدة، بل في شركة. الإرسال هنا ليس مجرد خروج جغرافي، بل خروج من الذات، من الأنانية، من الاتكال على الإمكانيات، إلى الاتكال الكامل على الله وعلى الأخ.

في هذا الإطار، قاد الأب لوكاس حلمي التأمل، كاشفًا عمق معنى الإرسال في حياة التلميذ، وفي قلب الدعوة الفرنسيسكانية. فكما أرسل يسوع تلاميذه حاملين لا شيئًا إلا الإيمان، هكذا عاش القديس فرنسيس الأسيزي دعوته، وأرسل إخوته لا بقوة العالم، بل بقوة الإنجيل الحي. لم تكن رسالتهم قائمة على ما يملكون، بل على من يحملونه في قلوبهم.

توقف التأمل عند ثلاث أبعاد أساسية:

أولًا: الأخوّة كعطية إلهية

“الرب أعطاني إخوة” تعني أن الأخ ليس عبئًا بل نعمة، حتى في ضعفه، حتى في اختلافه. فالحياة المشتركة ليست دائمًا سهلة، لكنها الطريق التي يشكّل الله فيها القلب على مثال محبته. الأخ هو مرآة تكشف حقيقتي، ومدرسة تعلّمني الصبر والتواضع والغفران.

ثانيًا: الإرسال كحياة ثقة وتجرد

دعوة يسوع لتلاميذه أن لا يحملوا شيئًا للطريق، هي دعوة للتحرر الداخلي. فالتلميذ الحقيقي لا يعتمد على ضمانات العالم، بل على عناية الله. وهذا ما عاشه فرنسيس بعمق، حين اختار الفقر الإنجيلي طريقًا للحرية، وجعل من التجرّد وسيلة للامتلاء بالله.

ثالثًا: الشهادة كحضور حي للإنجيل

لم يكن الإرسال مجرد تعليم أو كلام، بل شفاء وطرد للأرواح الشريرة، أي حضور حقيقي لملكوت الله. كذلك الرهبان مدعوون أن يكونوا إنجيلًا حيًا، حيث يلمس الناس فيهم سلام المسيح وفرحه. فالحياة الفرنسيسكانية ليست فكرة، بل شهادة تُعاش يوميًا.

وفي ختام اللقاء، تُوّج هذا التأمل بالقداس الإلهي، حيث تتجسد الشركة في أعمق صورها، إذ يجتمع الإخوة حول مذبح واحد، يقدمون ذواتهم مع ذبيحة المسيح. ثم جاء “غذاء المحبة” ليكمل هذه الشركة، ليس فقط كطعام للجسد، بل كعلامة ملموسة لوحدة القلوب.

لقد كان هذا اللقاء أكثر من مجرد اجتماع، بل خبرة روحية متجددة، أعادت إلى الأذهان جوهر الدعوة:

أن نعيش كإخوة، أن نُرسل كمبشرين، وأن نحمل الإنجيل لا بالكلام فقط، بل بالحياة.

وفي زمن يحتاج فيه العالم إلى السلام والوحدة، يظل صوت القديس فرنسيس الأسيزي يتردد:

“ابدأوا بأن تعملوا ما هو ضروري، ثم ما هو ممكن، وفجأة تجدون أنفسكم تعملون المستحيل.”

Leave A Reply