الرهبنة الفرنسيسكانية بمصر، إقليم الأخوة الأصاغر

الفصل الأول: مبادئ عامّة لأجل إحياء الليترجيّا وتطويرها

0

1) طبيعة الليترجيّا وأهميتها في حياة الكنيسة

العمل الخلاصيّ الذي قام به المسيح

4005 -5- إنّ الله “الذي يريد أنّ جميع الناس يخلصون  ويبلغون إلى معرفة الحقّ” (1 تيم 2: 4) “كلّم الآباء قديماً في الأنبياء كلاماً متفرّق الأجزاء مختلف الأنواع” (عب 1:1)، عندما بلغ ملء الزّمان، أرسل ابنه، الكلمة الصائر جسداً، ممسوح الروح القدس، ليبشّر المساكين، ويشفي منكسري القلوب(8)، على أنّه “طبيب جسدّي ونفسيّ”(9)، وسيط الله والناس(10). إذ إنّ بشريتّه ، في وحدة شخص الكلمة، كانت أداة خلاصنا، ولهذا فقد “ظهرت في المسيح الفدية الكاملة لمصالحتنا وجاز إلينا ملء العبادة الإلهية”(11).

وهذا العمل الذي كان به الفداء للبشر والتّمجيد الأكمل لله ، والذي مهّدت له العظائم الإلهية في شعب العهد القديم، أتمّه السيد المسيح خصوصاُ بالسرّ الفصحيّ لآلامه الحميدة، وقيامته من الجحيم، وصعوده المجيد، بالسرّ الفصحيّ الذي “قضى فيه على موتنا بموته، وبعث الحياة في حياتنا بقيامته”(12). إذ إنّه من جنب المسيح الرّاقد على الصّليب تفجّر ما للكنيسة كلّها(13) من سرّ عجيب.

 

العمل الخلاصي الذي تواصله الكنيسة بتحقّق في الليترجيّا

 

4006 -6- وهكذا فكما أنّ المسيح أرسله الآب، أرسل هو تلاميذه، وقد ملأهم الروح القدس، كارزين بالإنجيل للخليقة كلّها(14)، لا ليبشّروا فقط بأنّ ابن الله حرّرنا بموته وبقيامته من سلطان إبليس(15) ومن الموت، ونقلنا إلى ملكوت أبيه، بل ليقوموا أيضاً بهذا العمل الخلاصيّ الذي بشّروا به وذلك بالذبيحة والأسرار التي تدور حولها الحياة الليترجيّة بكاملها. فبالمعمودية يدخل الناس في سرّ المسيح الفصحيّ: يموتون معه، يدفنون معه، يقومون معه(16)” يأخذون روح التبنّي “الذي ندعو به أبّا أيّها الآب” (روم 8: 15)، وهكذا يصبحون الساجدين الذين يطلبهم الآب(17). كذلك كلّما أكلوا فصح الربّ أخبروا بموته إلى أن يأتي(18). من أجل ذلك، في ذات نهار العنصرة الذي ظهرت فيه الكنيسة للعالم، “اعتمد” أولئك الذين “قبلوا كلام” بطرس. وكانوا “مواظبين على تعاليم الرّسل والشّركة في كسر الخبز والصّلوات… مسبحين الله ونائلين حظوةً لدى جميع الشّعب” (أع 2: 41-47). ومذ ذاك لم تغفل الكنيسة قطّ الاجتماع للاحتفال بالسرّ الفصحيّ بتلاوة “ما يختصّ به في الأسفار كلّها” (لو 24: 27)، والاحتفال بالإفخارستيّا التي تستحضر فيها غلبة موته وانتصاره، “والشكر لله على موهبته التي لا توصف” (2 كو 9: 15) في المسيح يسوع “لمدح مجده” (أف 1: 12) بقوّة الروح القدس(19).

 

حضور المسيح في الليترجيّا

 

4007 -7- وللقيام بعمل عظيم كهذا لا ينفكّ المسيح حاضراً إلى جانب كنيسته ولا سيّما في الأعمال الليترجيّة. إنّه حاضر في ذبيحة القداس وفي شخص خادم السرّ، “فالذي يقدّم الآن بوساطة الكهنة هو نفسه الذي قدّم ذاته على الصّليب(20) حينذاك”، وبأعلى درجة تحت أشكال الإفخارستيّا. إنّه حاضر بقوّته في الأسرار بحيث إنّه إذا عمّد أحد كان المسيح نفسه هو المعمّد(21). إنّه حاضر في كلمته، فإنّه هو المتكلم اذا قرئت الكتب المقدّسة في الكنيسة، إنّه حاضر أخيراً عندما تصلّي الكنيسة، وترتّل المزامير، هو الذي وعد وقال: “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فأنا أكون هناك في وسطهم” (متّى 18: 20).

وللقيام فعلاً بهذا العمل العظيم، الذي يتمجّد به الله أكمل تمجيد ويتقدّس البشر، يتعاون المسيح دائماً وكنيسته، عروسه الحبيبة، التي تبتهل إليه على أنّه سيّدها، وبه تتقدّم بالعبادة إلى الآب الأزليّ.

فالليترجيّا تعتبر بحق ممارسة لوظيفة يسوع المسيح الكهنوتيّة يعبّر فيها، بإشارات حسيّة، عن تقديس الإنسان الذي يتّم وفاقاً لكلّ شخص، ويجري فيها جسد يسوع المسيح السرّي، رأساً وأعضاءً، عمل العبادة العامة الكاملة.

وهكذا فكلّ احتفال ليترجيّ، من حيث كونه عمل يسوع الكاهن وجسده الذي هو الكنيسة، فهو عمل غاية في القداسة لا يوازي فاعليتّه قيمة ودرجةً أيّ عمل آخر من أعمال الكنيسة.

 

الليترجيّا الأرضية والليترجيّا السماويّة

 

4008 -8- في الليترجيّا الأرضية يكون اشتراكنا استعجالاً لتذوق السماويّة التي نسعى إليها في ترحالنا، والتي يحتفل بها في أورشليم المدينة المقدّسة حيث يجلس المسيح إلى يمين الله خادماً للأقداس والمسكن الحقيقيّ(22)، وحيث، مع جميع أجناد الجيش العلويّ، ننشد للربّ نشيد المجد، وإننا بتكريمنا ذكر القدّيسين نأمل أن يكون لنا نصيب في مجتمعهم، كما أننّا ننتظر سيّدنا يسوع المسيح مخلّصاً لنا إلى أن يتجلّى هو حياةً لنا ونتجلّى نحن معه في المجد(23).

 

الليترجيّا ليست نشاط الكنيسة الوحيد

 

40099 لا تشغل الليترجيّا المقدسة كلّ نشاط الكنيسة، فقبل أن يتمكّن الناس من الوصول إلى الليترجيّا لا بدّ لهم من أن يدعو إلى الإيمان وإلى التوبة: وكيف يدعون إلى من لم يؤمنوا به، وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به، وكيف يسمعون بلا مبشرّ، وكيف يبشرون إن لم يرسلوا” (روم 10: 14-15).

لهذا تزفّ الكنيسة إلى غير المؤمنين بشرى الخلاص حتّى يعرف جميع الناس الاله الواحد الحقيقيّ والذي أرسله يسوع المسيح، ويبدلوا سيرة حياتهم ملازمين التوبة(24). أمّا المؤمنين فعليها أن ترشدهم أبداً إلى الإيمان والتوبة، عليها، فضلاً عن ذلك، أن تهيئّهم للأسرار، وتعلّمهم أن يحفظوا جميع ما أوصى به المسيح(25)، وتحضّهم على كل عمل من أعمال المحبّة والتقوى والرسالة، لكي يتضّح بهذه الأعمال أنّ المسيحييّن، وإن لم يكونوا من هذا العالم، هم مع ذلك نور العالم وهم يعملون على تمجيد الآب أمام الناس.

 

الليترجيّا أوج حياة الكنيسة ومنبعها

 

4010 -10- والليترجيّا هي القمّة التي يرتقي إليها عمل الكنيسة وهي إلى ذلك المنبع الذي تنبع منه كلّ قوّتها، فجميع الجهود الرسولية تهدف إلى أن يتوحّد الجميع، وقد أصبحوا أبناء الله بالإيمان والمعمودية، ويسبّحوا الله في وسط الكنيسة، ويشتركوا في الذبيحة، ويأكلوا فصح الربّ(26).

وبالمقابل فالليترجيّا نفسها تحثّ المؤمنين، وقد أشبعوا من “الأسرار الفصحيّة”، على أن يكونوا “قلباً واحداً في التقوى”(27) إنًها تصلّي لكي “يتقيّدوا في حياتهم بما اقتبسوه بالإيمان”، وتجديد عهد الربّ مع البشر في الإفخارستيّا يجتذب المؤمنين ويجعلهم يتحرّقون إلى محبّة المسيح الملحّة. فمن الليترجيّا، ولا سيّما ليترجيّا الإفخارستيّا، تجري فينا النعمة، كما من ينبوع، ويحصل تقديس البشر في المسيح حصولاً غايةً في الفاعلية كما يحصل تمجيد الله الذي تنتهي إليه، كما إلى الهدف الأخير، سائر أعمال الكنيسة.

 

ضرورة الاستعدادات الذاتيّة

 

4011 -11- وللحصول على هذه الفاعلية الكاملة لا بدّ للمؤمنين من أن يقبلوا على الليترجيّا المقدّسة باستعدادات نفس مستقيمة، وأن يضمّوا نفسهم إلى صوتهم، ويؤازروا النعمة العلويّة لئلاّ يكون قبولهم لها في الباطل(28). ولهذا يقع على رعاة الخدمة المقدّسة أن يسهروا على عمل الليترجيّا لا من حيث التقيّد بقوانين الاحتفال الصحيح والجائز فحسب، بل من حيث أن يشترك فيه أيضاً المؤمنين بطريقة واعية وفاعلة ومثمرة.

 

الليترجيّا وأعمال التقوى

 

4012 -12- إلاّ أنّ الحياة الروحية ليست مقصورة على الاشتراك في الليترجيّا المقدّسة دون سواها. فالمسيحيّ مدعو‍ّ إلى الصلاة المشتركة، وهو إلى ذلك مضطرّ إلى دخول مخدعه ليصلّي إلى الآب في الخفية(29) بل عليه- على حدّ تعليم الرسول- ألاّ يزال مصلّياً(30). والرسول يعلّمنا أيضاً أننّا نحمل في جسدنا كلّ حين إماتة يسوع لتظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائت(31). لهذا نطلب إلى الربّ في ذبيحة القداس، وقد “تقبّل تقدمة الذبيحة الروحية” أن يصطنعنا ” تقدمةً أبديّة”(32).

 

4013 -13- إنّ “أعمال التقوى” التي يقوم بها الشعب المسيحي هي جديرة بكلّ تشجيع ما دامت متمشّيةً وقوانين الكنيسة وأنظمتها، ولا سيّما إذا جرت بأمر من الكرسيّ الرسوليّ.

“والأعمال المقدّسة” التي تقوم بها الكنائس الخاصة تحظى أيضاً بكرامة استثنائية عندما يحتفل بها بأمر من الأساقفة وفاقاً للتقاليد أو الكتب المقرّرة شرعاً.

ولا بدّ لهذه الأعمال نفسها من تنظيم يماشي الزمن الطقسيّ حتّى لا تكون مخالفةً لليترجيّا المقدسة بل تكون صادرةً عنها بوجه من الوجوه، وقائدة الشعب إليها، لأن الليترجيّا بطبيعتها أسمى وأرفع منها.

ــــــــــــــ

8- راجع أشعيا 61 : 1 ، لوقا 4 : 18.

9- القدّيس أغناطيوس الانطاكي، “إلى أهل أفسس” 7 ، 2 : طبعة فونك، الآباء الرسوليّون، الجزء الأوّل، توبانج (1901) ص 218 .

10- راجع تيموتاوس الأولى 2 : 5 .

11- خدمة الأسرار الفيروني “اللاوني” : طبعة مولبرج،روما (1956) رقم 1265 ، ص 162 .

12- صلاة الصلح في الزمن الفصحي في كتاب القدّاس (الخولاجي) الروماني.

13- راجع الصلاة التي تقال بعد القراءة الثانية في سبت النور، في كتاب القدّاس (الخولاجي) الروماني، قبل تجديد نظام أسبوع الآلام.

14- راجع مرقس 16 : 15.

15- راجع أعمال 26 : 18 .

16- راجع رومية 6 : 4 ، أفسس 2 : 6 ، كولوسي 3 : 1 ، تيموتاوس الثانية 2 : 11 .

17- راجع يوحنّا 4 : 23 .

18- كورنتوس الأولى 11 : 26 .

19- المجمع التريدنتيني، الجلسة 13 ، 11 أكتوبر 1551 ، مرسوم في سرّ القربان الأقدس، الفصل الخامس: المجمع التريدنتيني، المجموعة الجديدة لليوميات والأعمال والرسائل والمقالات، طبعة جمعيّة جورس، المجلّد السابع، الجزء الرابع من الأعمال، فريبورج بألمانيا (1961) ص 202 .

20- المجمع التريدنتيني، الجلسة 22 ، 17 سبتمبر 1562 ، تعليم “في ذبيحة القدّاس المقدّس” ، الفصل الثاني: المجمع التريدنتيني، الطبعة المذكورة سابقاً، المجلّد الثامن، الجزء الخامس من “الأعمال”، فريبورج بألمانيا (1919) ص 960 .

21- راجع القدّيس أوغسطينوس، في إنجيل يوحنّا ، المقالة السادسة، الفصل الأوّل، رقم 7 : آباء الكنيسة اللاتينيّة 35 ، 1428 .

22- راجع سفر الرؤيا 21 : 2 ، كولوسيي 3 : 1 ، عبرانييّن 8 : 2 .

23- راجع فيلبي 3 : 20 كولوسي 3 : 4 .

24- راجع يوحنّا 17 : 3 ، لوقا 24 : 27 ، أعمال 2 : 38 .

25- راجع متّى 28 : 20 .

26- صلاة بعد التناول في عشيّة عيد الفصح وأحد القيامة.

27- صلاة القدّاس في اليوم الثالث بعد الفصح.

28- راجع كورنتوس الثانية 6 : 1 .

29- راجع متّى 6 : 6 .

30- راجع تسالونيكي الأولى 5 : 17.

31- راجع كورنتوس الثانية 4 : 10 – 11.

32- الصلاة السرّية في اليوم الثاني بعد العنصرة.

الكلمات : الليترجيّا – الليتروجيا –  العمل الخلاصيّ – طقس – طقوس – تنشئة – تقليد

Leave A Reply