الرهبنة الفرنسيسكانية بمصر، إقليم الأخوة الأصاغر

مصر والفرنسيسكان

0

فصول من الحرب الأخيرة (الثورة العرابيَّة)

(وثائق غير منشورة)

تعريب بتصرف عن الفرنسيَّة

الأب يعقوب شحاته الفرنسيسكانيّ

كلمة تمهيديَّة للمعرّب

أثناء الاحتفالات التي جرت منذ عامين بمرور ثمانية قرون على زيارة القديس فرنسيس الأسيزي لمصر ولقائه بالسلطان الأيوبي الملك الكامل. كنت أبحث عن أعمال تاريخيَّة أو أدبيَّة تؤرخ لذلك الحدث الكبير، وتتحدث عن تاريخ وجود الرهبان الفرنسيسكان في مصر، وحياتهم وأعمالهم سواء الرعويَّة أو الخيريَّة. وأثناء بحثي عثرت على هذا الكتاب في صيغة ملف (PDF). وكان عثوري عليه بمثابة مفاجأة سارة لي، لأنه يغطي أحداث مهمة في تاريخ مصر أثناء الثورة العرابيَّة سنة 1882 ضد احتلال الإنكليز لمصر، تكاد تكون مجهولة تمامًا من جميع المصريين. وكيف كانت لهذه الثورة إيجابياتها وسلبياتها سواء على المجتمع المصري، أو الرهبان والراهبات عمومًا والفرنسيسكان خصوصًا، بالإضافة إلى المسيحيين الأوروبيين والمحليين.

سنلاحظ في قراءتنا للكتاب الإعجاب الشديد لمعد الكتاب بمصر: مكانها في الخريطة، طقسها، طبيعتها الخلابة، نيلها وطميها، جبالها وصحاريها، تاريخها الديني العريق، وكونها اُختيرت كملجأ للعائلة المقدسة. ومن أجمل الكلمات التي كتبها في المقدمة، والتي تعبر عن مدى إعجابه وتقديره لمصر وشعبها:

“كانت مصر بل وعاشت دائمًا بلدًا زراعيًا، رعويًا، عالمًا وفنانًا. لم تكن غازية أو تاجرة، حتّى الحملات الحربيَّة التي قامت بها على فترات مختلفة لم يكن لها أثر طويل المدى، لأنها لم تكن نابعة من طبيعة الشعبالمسالم”.

كما سنلاحظ النظرة العادلة والحياد التام تجاه الأحداث الأليمة التي شابت الثورة العرابيَّة، فنرى إلى جانب الشرور التي اُرتكبت من ناحيَّة، الخير والشهامة والشجاعة من ناحيَّة أخرى.

            وسنرى أيضًا مدى التقدير الذي يحمله الكثير من أفراد الشعب المصري للرهبان والراهبات الفرنسيسكان.

      أرجوا أن يكون هذا الكتاب آداه لعمل الله القدير ومجده، وأن يحظى برضاء القراء الأعزاء.

الأب يعقوب شحاته

تمهيد

كانت العنايَّة الإلهيَّة سببًا في عودتنا من كندا[1] إلى الشرق، في نفس الوقت الذي جرت فيه تلك الأحداث الخطيرة التي سنعرضها في هذا الكتاب المتواضع. وأصبحنا بالتالي بشكل ما شهود عيان بأنفسنا، حيث تمكنا من إقامة علاقات موثقة مع بعض الأشخاص الذين لعبوا دوراً في الأحداث. في رأينا المتواضع، هذه الوثائق، ومعظمها غير منشورة، لها قيمة تاريخية حقيقيَّة. لقد احتفظنا بها لجمهورنا من الفرنسيين، الذين كانوا سيتلقونها بلا شك بشغف كبير، لكننا رأينا أن مواطنينا الطيبين في كندا، وخاصة إخوتنا وأخواتنا من الرهبنة الثالثة سيقرؤونها بمزيد من الجدية والحماس، بسبب ارتباطهم الخاص بعائلة القديس فرنسيس الكبيرة، واهتمامهم الظاهر بكلّ ما يتعلق بإرساليَّة الأرض المقدسة.

عسى أن يبارك الربّ يسوع المعبود، ومريم، أمه العظيمة، هذه الصفحات، التي كتبت في الماضي، في ذلك البلد الذي قدسه بحضوره الإلهي، وفي ظلال الجلجلة، حيث أراق المخلص المحبوب دمه فداءً عنّا!

“تروا- ريفيير” (Trois-Rivières)، في عيد التجلي، 6 أغسطس 1895

الأخ فريدريك، رهبنة القديس فرنسيس

(O.S:F. Ordinis Sancti Francisci)

 

المقدّمة

اعتبارات عامة حول مصر

لوجود بلدهم في موقع جغرافي متميز، يمكن للمصريين تقديم نموذج قاطع لقوانين الفيزياء العامة في العالم. فلو لم يعثر سكان مصر القدماء على محاجر لا تنضب من الحجر الرملي والجيري على شاطئ النيل، لما كان رونق العمارة أحد السمات المميزة لشخصيتهم، وما كانت البلاد قد امتلأت بالآثار الضخمة. هناك حيث تعبّر العبادة عن احتياجات الإنسان ورغباته على أفضل وجه! فالحيوانات وحتّى النباتات المفيدة أو الضارة تألّهت، وتحركات النيل تقدست من خلال الشعائر الدينيَّة[1]. وفي الوقت الذي خلت فيه الطبيعة الوديعة من وجود الغابات، كانت مصر بل وعاشت دائمًا بلدًا زراعيًا، رعويًا، عالمًا وفنانًا. لم تكن غازية أو تاجرة، حتّى الحملات الحربيَّة التي قامت بها على فترات مختلفة لم يكن لها أثر طويل المدى، لأنها لم تكن نابعة من طبيعة الشعب. وقد حاول البطالمة دون جدوى توحيد ضفاف النيل وشواطئ البحر الأحمر بالطرق الممهدة، إلّا أن التجارة ظلت في أيدي الأجانب، ونادرًا ما شارك المصريون أنفسهم في هذا الاتجاه الجديد. وظلت مصر، فيما يتعلق بالتجارة، دولة عبور وصومعة للغلال للدول المجاورة؛ وبسبب حضارتهم المتقدمة، تعالى المصريون كثيرا على الشعوب الأجنبيَّة التي كانت تبحث لديهم عن وسائل الثراء.

وضع مصر ومعالمها وأقسامها

تقع مصر في الجزء الشمالي الشرقي من إفريقيا، وتنحصر بين بحرين وصحاري، يحدها البحر الأبيض المتوسط ​​في الشمال، والبحر الأحمر في الشرق، والسودان في الجنوب، وليبيا في الغرب. وهي تمتد من الشمال إلى الجنوب، وتميل قليلًا نحو الغرب؛ وتشكل شريط طويل من الأرض يجتازه النيل، وعلى مسافة ثلاثين عقدة من البحر، تنقسم إلى عدة فروع في سهل على نحو سلس تمامًا، وانحدارها يكاد يكون غير مرئي. وتمتد مصر، من الشلال الأخير جنوبًا إلى البرلس شمالًا.

تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة ما يقرب من مليوني ومائة ألف هكتار[2]. وهي مقسمة إلى مصر العليا والوسطى والسفلى. مصر العليا أو الصعيد يمتد من النوبة إلى محافظة القاهرة. مصر الوسطى تضم محافظة القاهرة والمحافظات المجاورة لها. أمّا مصر السفلى فتتكون من كامل المنطقة الواقعة بين إقليم القاهرة والبحر الأبيض المتوسط ​​وبرزخ السويس[3] حتّى الحدود مع ليبيا. والصعيد هو وادي طويل يقع بين سلسلتين جبليتين. يسمى وادي النيل، ويبلغ طوله حوالي مائة وخمسين عقدة[4]. عرضه ليس كبيرًا جدًا، ونادرًا ما يتجاوز خمسة عُقدات، وفي بعض الأماكن لا تصل حتّى إلى النصف. في قلب القاهرة، تختفي الجبال، وتستوى البلاد بالكامل تقريبًا؛ وتشكل السلسلة الشرقيَّة، على حافة الوادي، نوعًا من الجدار العالي، تقطعه الوديان في بعض الأماكن؛ أمّا السلسلة الغربيَّة فتنتهي بمنحدر لطيف. المنطقة من القاهرة إلى البحر، بين ذراعي النيل اللذين ينتهيان في البحر، أحدهما في رشيد والآخر في دمياط، فتشكل مثلثًا متساويًا تقريبًا، قاعدته تبلغ نحو سبعين عقدة؛ هذا السهل أطلق عليه اسم الدلتا، بسبب تشابه تكوينه مع أحد أحرف الأبجديَّة اليونانيَّة.

طبيعة التربة

إنَّ مصر، بالمعنى الدقيق للكلمة، ليست سوى واحة عظيمة في صحراء هائلة. حجمها يرتبط بنهر النيل الذي خلقها، ذلك النهر الذي فتت الجبل الجرانيتي، وحفر مجراه على الحجر الجيري في الصعيد، واختلط طميه الخصب بالأتربة العقيمة التي تجلبها الرياح الخماسينيَّة[5] العاصفة، وبالتالي تهيأت أرضًا جديدة لسكنى البشر. فالمسافرون والباحثون والشعراء، فضوليون كانوا أو مغامرون، تأثروا جميعًا من الملامح الأصيلة والساحرة لمصر، وأيًّا كان الجانب الذي يقتربون منه؛ فلا شيء أكثر إثارة للاهتمام، أكثر هيبة، أكثر ثراء من هذا الوادي الطويل، المشقوق بآلاف القنوات، والمغطى بالخضرة الدائمة والنباتات المزهرة، والممتلئ بالمحاصيل المتنوعة، مع وجود سلسلتين من الجبال العارية والجافة للدفاع عن هذا الوادي ضد هبّات رياح الصحراء المدمرة.[6]

إنَّ المرء عندما يزور تلك البلاد، ويلاحظ التفاصيل بدقة، يمتلئ عجبًا واهتمامًا. فالأرض هنا مكتفية بذاتها، على الرغم من أن الطبقات العليا من الغلاف الجوي تحبس مياهها الخيرة؛ فلا مطر لإرواء هذه الزراعات التي تنبتها التربة دون انقطاع، إذ أنَّ نهر واحد يكفي لتغطيَّة هذا السهل الطيني بالمياه، وتعويض العصارة المغذيَّة المفقودة سنويًا. فكلّ شيء يُنجز بانتظام مهيب: في موسم الفيضان يرتفع النيل، وفي أيام الاحتباس ينخفض، لتبدأ من جديد المواسم المنتظمة؛ ذلك لأن الطبيعة نفسها تتولى مسؤوليَّة جزء من عمل الإنسان في هذا البلد المتميز. وفي خضم تلك الرمال التي تذروها الرياح، تشاهد العيون المتفاجئة آثار التغيرات المناخية العنيفة. إذ يغطي ملح البحر بلمعانه البلوري الرمال الصحراويَّة الجافة، وقواقع المحارة مدفونة في التلال، والوديان المحروثة من السيول المتدفقة، والحجارة المصقولة والمشكلة من توالي الأمواج، والحمم البركانيَّة تشغل عددا قليلا من الأماكن الضيقة، بعيدا عن أيّة فوهة بركانية. وقد بُذلت محاولات لتفسير هذه الظواهر الطبيعيَّة، بشكل أو بآخر.

الغابة المتحجرة

من اللافت للنظر، أنّه في السهول الرمليَّة، حيث تنعدم اليوم المياه تمامًا، نجد هذه الحصى الصوانة البنّيَّة المسماة بزلط مصر، وهي مستديرة الشكل، وذات سطح أملس، تشير بشكل كاف إلى أنها كانت منذ فترة طويلة ألعوبة المياه قبل أن تستقر في تربة قاحلة. وثمة مفارقة أخرى في هذه البلدان متمثلة في تلك الرمال الساكنة على سفح هذه الجبال، التي تستمر طبقاتها المتوازيَّة بانتظام شبه كامل، وحجارة الخفاف، والحصى اللامعة، والمنتجات البركانيَّة الأخرى، وبراهين لا يمكن دحضها للثورات الطبيعيَّة التي لم يحتفظ بها التاريخ البعيد في الذاكرة. وهناك آثار أخرى لا تقل وضوحًا عن هذه الاضطرابات الكونيَّة العنيفة لا تزال مطبوعة على سطح مصر.

إذ على بعد عُقدتين ونصف من شرق القاهرة، توجد غابة متحجرة تمتد على مساحة أكثر من عقدة مربعة. هذا الأثر الغريب الناتج عن كارثة طبيعيَّة كبيرة يتلاشى في الصحراء بين الطريقين اللذين يمتدان من السويس إلى القاهرة، أحدهما إلى الشمال والآخر إلى الجنوب.

والسهل الذي يوجد فيه هذا الخشب المتحجر مغطى بأكوام من الحجر الجيري أو الطين أو الحجر الرملي. تحتوي الأرض على رمل من الحجر الجيري ممزوج بالحصى الملفوف والمربع، ثم طبقات من الطين والحجر الجيري، التي تغطي العديد من العظام الأحفوريَّة والأصداف الناشئة عن عصور مختلفة. والأجزاء السفليَّة من هذا السهل هي تلك التي تُحفظ فيها الأشجار بشكل أفضل؛ في الوسط يظهر لون الخشب وحتّى اللحاء. وهناك قطع يبدو من الوهلة الأولى[7] أنها أشجار تم تقسيمها وقطعها. جميع الشظايا متراميَّة على سطح الأرض أو مغطى نصفها بالرمال: الأجزاء المدفونة سيئة الحفظ تتفتت عند لمسها. هذه الأشجار متناثرة في كلّ الاتجاهات، والأرض تبعد عنها بمسافة. ويصل طول الجذوع الكبيرة إلى أكثر من ستين قدما، وأغلبها مستقيمة، وبعضها لها فروع قويَّة، حيث العقد لا تزال واضحة. في الأجزاء المكسورة عموديًّا على محور الجذعيَّة نشاهد العديد من الأنسجة الخشبيَّة، التي قد تحدد سن النبات: من الشكل العام، واللحاء والفروع يبدو أنّه يشير إلى أنواع الصنوبر والبلوط والجميز. أشجار النخيل كثيرة جدا، لكن بضع قطع، خيطيَّة مثل خشب النخيل، ومقطعة مثل الخيزران، كأنها تتشابك مع بعضها البعض. العديد من القطع المجوفة التي يبلغ قطرها حوالي قدمين تعطي شكل الخيزران من الأنواع الضخمة.

طمي النيل

 يشكل طمي النيل بشكل شبه حصري التربة السطحيَّة لهذا البلد، والتركيبة الكيماويَّة لهذا الطمي هي عبارة عن سيليكات الألومينيوم، حيث تتكون من حوالي ذرتين من السيليكا وذرة ألومينيوم. وبإضافة حمض الأيوميك (Ulmic) على تلك التركيبة يجعل هذه المستخلصات السنويَّة سمادًا قيمًا.

عندما يجف الطمي، فإنه يتحول إلى كتل قويَّة للغاية؛ وعند كسره يشكل حبات ناعمة للغاية. وهو بني اللون (لون أرض مصر)، ومظهره عبارة عن تربة طينيَّة حديديَّة دقيقة. عند تلامسه مع الحمض فإنه يحدث القليل من الفوران، ويتحلل بسهولة في الماء؛ إذا لمسته، تجده ناعم شبيه بالصابون.

ويُعتبر غبار الصحراء العنصر الآخر الذي يشكل التربة السطحيَّة في وادي النيل. هذا الغبار هو رمل الكوارتز، الذي يعد اختلاطه ضروريًا مع الطمي لتشكيل التربة القابلة للزراعة، حيث يصلح لزراعة جميع نباتات الكرة الأرضيَّة تقريبًا.[8]

كانت هذه نظرة سريعة وغير مكتملة بالطبع، ألقيناها على أرض الفراعنة القديمة، أرض العجائب، حيث سنرى فرنسيس الأسيزي يندفع، في ظروف شائكة، بحماسه الساروفي، وقلبه يشتعل رغبة في وعظ الناس عن الله، وعلى أمل أن ينال إكليل الشهادة هناك. هنا سنرى أيضًا تلاميذ هذا الأب الأوفياء المخلصين، الذين هم أيضاً على استعداد، مثل العديد من أسلافهم، لسفك دمائهم من أجل اسم ربنا يسوع المسيح، في خضم تلك الأحداث التي سوف نكشفها والتي ستمثل الموضوع الرئيسي لهذه الروايَّة الطويلة والحميمة.

 

 

 

الفصل الأول

القديس فرنسيس في مصر

الإرث المتروك لتلاميذه[9]

من الخطأ الاعتقاد بأنَّ القديسين يبقون غرباء عن الأحداث السياسيَّة في عصورهم. فهم يتبعونها بعين ساهرة، ولكن بطريقتهم الخاصة في النظر إليها. ومن خلال المجادلات البشريَّة، يتعرفون على الفكر الذي يأسر أذهانهم، ويأخذ بمجامع قلوبهم؛ وهو ما يتعلق بالكنيسة. لذا يمكننا أن نتفهم ما هي الفائدة التي ستعود على فارس المسيح البطل من تطورات وتقلبات مسألة الشرق الكبرى هذه التي افتتحها مجمع كليرمونت[10]، إذ أن حياة الكنيسة لا تنفصل عن حريَّة الشعوب، فهما يرتبطان ارتباطًا وثيقًا.

فمنذ الاستيلاء على القدس من قبل “جودفروا دي بويّون” (Godefroy de Bouillon)، تحولت أوروبا إلى ساحة حربية مدججة بالسلاح. ولأكثر من قرن، لم يكن التاريخ العسكري للعالم المسيحي أكثر من سرد للمعارك اللامتناهيَّة التي خاضها جنود الحملات الصليبيَّة ضد العرب. لكن خادم الله فرنسيس بدلًا من التوقف عند ظاهر الأمور، توجه إلى عمق الأحداث. فمن خلال مشاهد المعارك الشجاعة التي تلاحمت فيها سيوف المتحاربين من الطرفين، توصل انطلاقًا من إيمانه ورغبته في أن يسود السلام، إلى حل جديد، إذا نجح فيه، سيمثل ذلك شرفًا للباباوات ومجدًا للعصور الوسطى، حتّى دون النظر إلى النتائج. ألا يسهم ذلك بالفعل في إنقاذ أوروبا.

فعلى مدار أربع محاولات كان الغرب قد نهض بشكل جماعي ليستعيد الأماكن المقدسة. لكن، على الرغم من الشجاعة والجهود البطوليَّة لخلفاء (جودفروا دي بويّون)، لم تخضع المدينة المقدسة إلّا على فترات لحكم الصليبيين. في الوقت الحاضر، عادت لتوها إلى سيطرة العباسيين. إنَّ هذا الخبر، الذي نزل كالصاعقة على أوروبا، جعلها تنتفض حزنًا. وسرعان ما استجابت لنداء البابا هونوريوس الثالث (1227-1216)، وتجمع أكثر من أربعمائة ألف رجل تحت رايَّة “أندريا الثاني” ملك المجر، و”جان دي برين”، شقيق “غوتييه دي برين” وملك لقدس. ولكن هذه المرة، بدلًا من التوجه إلى فلسطين مباشرة، قام الصليبيون، الذين يريدون ضرب قلب القوة العربيَّة، بمهاجمة مصر وحصار دمياط. تنفيذًا لخطة استراتيجيَّة، كانت الخطة جريئة، لكنها صعبة. لذلك علقت جميع الشعوب أعينها على الشرق، تنتظر بفارغ الصبر نتيجة هذه الحملة البعيدة.

اعتقد قديس أسيزي أنَّ اللحظة كانت مواتيَّة للتوجه إلى هناك ونيل الاستشهاد. ذهب إلى أنكونا[11]، عازلًا من أيّ سلاح آخر سوى الصليب، وصل إلى بلاد الشام مع الأخوة “باربارو”، “ليوناردو من أسيزي”، “إيلّوميناتو من رييتي” (Riéti) وربما أخوة آخرين. حدث ذلك في شهر يونيو 1219. وفي طريقها عرجت السفينة التي تحمل المرسلين أولًا على “سلاميس” في جزيرة قبرص، ثم رست في عكا، وهي مدينة مهمة في فلسطين، هناك ترك فرنسيس بعض تلاميذه ليؤسسوا إرساليَّة فيها. أمّا بالنسبة له، فقد أبحر إلى مصر مع الأخ إيلّوميناتو، ونزل في معسكر الصليبين في دمياط. هناك كان الخلاف والارتباك محتدمان بين الفرق الصليبيَّة المختلفة. كان الفرسان والمشاة، الذين تجمعوا لأكثر من عام تحت جدران هذه الساحة، يتهمون بعضهم البعض بالخيانة والجبن. وعليه اندلع صراع بين الجانبين، تحول إلى شغب واشتباكات فيما بينهما. وطالب الطرفان إظهارًا لبراعتهما الحربيَّة، أن يتم تحديد موعداً للمعركة الحاسمة. فاضطر “جان دي بريين” ملك أورشليم (القدس) الصليبي، حتّى يتجنب إراقة الدماء، إلى قبول توسلاتهم الحمقاء، وتم تحديد المعركة في اليوم التالي (29 أغسطس 1219).

في تلك الأثناء كان القديس فرنسيس قد وصل إلى المعسكر الصليبي. وأوحي إليه من السماء إنهم سيعاقبون على كبريائهم وانقساماتهم الداخليَّة، وسيلقون هزيمة مريرة. فسعى بكلّ الطرق، حتّى يتفادى مثل هذه الكارثة: “يا أخي”، قال لصاحبه، لقد أخبرني الربّ أنّه إذا كان الأمر يتعلق بهم، فسينهزم الصليبيون. واذا قلت ذلك بصوت عالٍ، فسوف يعتبرونني أحمق؛ وإذا لم أقل شيئًا، فإن هذا السر سيثقل علي قلبي. أجابه الأخ إيلّوميناتو، “لا تتوقف أمام أحكام البشر؛ فهم ينظرون إليك منذ وقت طويل كمجنون وليس اليوم فقط. أرح ضميرك، وخاف الله أكثر من البشر”. عمل فرنسيس بالفعل بهذه النصيحة، فدخل إلى خيمة القيادة؛ وأخذ يحث قادة الجيش على مقاومة هذا التوجه الكارثي الناتج عن الحماس الزائد، متنبئًا لهم بانتكاسات خطيرة ستكون في انتظارهم إذا استمروا في التصميم على بدء القتال. وبالرغم من توسلاته، وتحذيراته، لم يسمعوا له. نعود لتوقعات قديسنا، اندلع القتال بالفعل بشكل عنيف. نحن نعرف الباقي. “في هذا اليوم المميت. يقول القديس “بونافنتورا” سقط من الصليبيين نحو ستة آلاف رجل بين قتيل وأسير. على ضوء هذه الكارثة، عرفوا أنهم كانوا مخطئين في رفض مشورة فقير يسوع المسيح. أحيانًا ترى عين الصدّيق الحقيقة أفضل من سبعة جنود واقفون على قمة الجبل”.

حينئذ قرر المبشر الجريء، دون أن يستسلم للإحباط بسبب هذه النكسة اللحظيَّة، مواصلة مشروعه. حاولوا عبثًا أن يثنوه عن قراره.

قيل له أنَّ حياته على المحك، وأنَّ السلطان وعد بمثقال من الذهب لمن يأتي إليه برأس صليبي؛ لكن لا شيء يمكنه أن يجعله يغير رأيه. اقتناعًا من القديس بأنَّ الموت هو ربح، وأنَّ الاستشهاد هو أكثر التيجان المرغوبة في هذا العالم، تقدم نحو معسكر المسلمين، وهو ينشد مزمور النبي داوود الملك: “الربّ راعي فلا يعوزني شيء… إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرا، لأنك أنت معي”. في الطريق رأى خروفين، فابتهج كثيرًا لهذا المشهد، وقال لصاحبه: “لنتكل على الربّ؛ لأننا نرى نص الإنجيل يتحقق: “ها أنا أرسلكم مثل الخراف…”. بعد ذلك شاهدهم بعض من جنود المسلمين، فاندفعوا نحوهما وأخذوا يسبونهما ويضربونهما، ثم قيدوهما بالسلاسل. عند ذلك صاح فرنسيس بصوت عالي: “أنا مسيحي، خزوني إلى سيدكم”. أطاع الجنود واقتادوا السجينين ليمثلا أمام السلطان الملك الكامل.

بمجرد أن رآهما السلطان سألهما بحدة: “من أرسلكما؟ وماذا تفعلان هنا؟”، فأجابه القديس دون أن يتأثّر: “ليس إنسانًا، إنّه العليّ الذي يرسلني لأخبرك أنت وشعبك ببشارة الإنجيل وحقيقة الخلاص”. وبدأ على الفور يشرح له أسرار الدين المسيحي، وقد فعل ذلك بقوة تحققت فيها كلمات السيد الإلهي مرة أخرى: “سأعطيك بلاغة وحكمة لا يقوى عليها خصومك ولا يناقضونها”.

انبهر السلطان الملك الكامل بحديث القديس، وانتابته دهشة لم يكن يتوقعها. هذا الرجل الشجاع، هذا الولاء الخارق للإنسان، الذي يقدم مشهداً يراه لأوّل مرة بعينيه، فشعر نحوه بنوع من التقدير. استمع إلى فرنسيس بهذه الطريقة لبضعة أيام، وسط دهشة الجميع، للدرجة أنّه دعاه للبقاء معه. فأجابه رجل الله: “إذا كنت أنت وشعبك، تريدون أن تأتوا إلى نور المسيح، سأبقى معكم بكلّ سرور. وإذا قررتم أن تقام مواجهة بيننا، أشعل نارًا عظيمة، أدخلها أنا مع شيوخك، وستحكم من خلال تأثير النار على أيّ جانب تكون الحقيقة”. أجابه السلطان: “لا أعتقد أن أيًا من شيوخنا يمكنه أن يوافق على هذا الاقتراح”. قال هذا، لأنه لاحظ ردود أفعالهم على التحدي الذي أبداه فرنسيس، وحاولوا جميعًا التهرب من المواجهة.

ذهب المبارك إلى أبعد من ذلك؛ فقال للسلطان: “إذا وعدتني باسمك وباسم شعبك أن تقبلوا المسيح، فسأدخل النار بمفردي، فإذا التهمتني النيران، يمكنك أن تلومني على خطاياي؛ ولكن إذا خرجت منها آمنًا وسليمًا، ستعرف أن يسوع المسيح هو الإله الحقيقي الوحيد مخلص البشر. لكن السلطان رفض قبول اختبار النار هذا، خوفًا من الفتنة الشعبيَّة. من ناحية أخرى، حاول أن يقدم له ولرفيقه هدايا قيمة؛ لكن فرنسيس رفض نهائيًا قبول أيَّة هدايا، إذ كان هدفه الوحيد هو خلاص النفوس. احترم السلطان هذا الرفض، وقدّر نبل صاحبه، إذ شعر بالاحترام والإعجاب نحوه منذ اللحظة الأولى لمقابلته. ثم طلب منه سرًّا، “صلوا من أجلي، كي يُعلمني العلي القدير ما هو الطريق الحقيقي”، وأرسل معهما فرقة من الجنود رافقتهما إلى معسكر الصليبيين.

رأى فرنسيس آماله تتحطم، ولم يعد يعرف الطريق الذي يجب اتباعه، فلجأ، كالعادة، إلى الصلاة؛ ويضيف القديس بونافنتورا، الذي اقتبسنا منه كلّ هذه التفاصيل، أن آمله لم يذهب سدى. في الواقع، حصلت له رؤية سماويَّة ملأته بالنور والسلام والعزاء. في تلك الرؤية، أمره المسيح بالعودة إلى إيطاليا، مؤكدًا له أنّه ليس في مصر، ولا بحد السيف يمكنه أن ينال الاستشهاد الذي يشتاق إليه.

من ناحيَّة أخرى[12] كانت مقابلة القديس مع السلطان لها أثارها السعيدة على الصليبيين. حيث أظهر الملك الكامل، بعد أن استعاد دمياط بعد ذلك بعامين، في انتصاره رأفة غير عاديَّة: ترك للأسرى حرية العودة إلى بلادهم، ورعاية الفرسان الفقراء أو المرضى، وأعاد الصليب الحقيقي الذي أخذه صلاح الدين.

ووفقًا لتقليد قديم، ذكره المؤرخون الرئيسيون للرهبنة، قام فرنسيس، لدى عودته من مصر، بزيارة القدس وأنطاكيَّة… في نهاية العام 1219، ثم استأنف طريقه نحو أوروبا، حيث استدعته ظروف الرهبنة. وأبحر على واحدة من سفن البندقيَّة التي كانت آنذاك تجوب البحر الأبيض المتوسط، والتي كانت تعمل بلا هوادة لتقديم المساعدة للصليبيين.

وهكذا انتهت الحملة السلميَّة للقديس فرنسيس في الشرق. هل كانت نتائجها مثمرة؟، التاريخ موجود للتحقق من هذا. من يستطيع اليوم أن ينكر أن الظهور القصير للقديس في فلسطين لم يكن مثل الاستيلاء على الأرض المقدسة؟ ألّا يبدو أن الله قد قاده هناك ليقول له، كما كان في الماضي لخادمه إبراهيم: “اترك أرضك وعشيرتك، للأرض التي أريك إياها، لأنني سأعطيها لك ولنسلك إلى الأبد”؟ في الواقع، أسس فرنسيس للتو مملكة أكثر ديمومة من مملكة جودفروا دي بويّون. فمنذ ذلك الوقت، نجد الإخوة الأصاغر مستقرين في بلاد الشام وفلسطين ومصر. وقد اشترى “روبرت”، ملك صقليَّة، وزوجته “سانشيا”، مزارات فلسطين من سلطان مصر، وتنازلا عنها إلى البابا “كليمنت السادس” (1342-1352)، الذي عهد بالعناية بها والسهر عليها إلى الرهبان الفرنسيسكان[13]. كما أن سلاطين القاهرة والقسطنطينيَّة أصدروا عدة فرمانات لإثبات شرعيَّة الممتلكات الممنوحة للكرسي الرسولي وآباء الأرض المقدسة، أبناء قديس أسيزي الموجودون هناك منذ عهد جان دي برين، يؤدون رسالة ساميَّة غاية في الصعوبة. فمن بعد قيامة المخلص، كان الملاك هو الذي يدافع عن مدخل قبره، أما منذ القرن الثالث عشر، فأصبح أبناء الأب الساروفيّ هم الذين يسهرون على هذا المزار العظيم، لحمايته من أيّ تدنيس. وقد تعرضوا للذبح مرتين، في سنة 1244 و1368، واستُبدلوا فورًا بإخوة آخرين، وعاشوا هناك وسط العرب والمسيحيون الشرقيون، كحراس لا يكلّون، وكانوا دائمًا على استعداد لسفك دمائهم على أن يتخلوا عن هذا الشرف الذي يستحقه حب فرنسيس الذي لا يضاهى ليسوع المصلوب. وبفضل ثباتهم البطولي، استمر عملهم الروحيّ في: جبل صهيون، جبل الزيتون، تابور، بيت لحم، الناصرة، وما تزال القدس متاحة لزيارة الحجاج الأتقياء من الغرب[14]، وتُعد الإرساليَّة المصريَّة واحدة من أكبر إرساليات إقليم حراسة الأرض المقدسة الكبير.

والفرنسيسكان المحافظون الذين يعملون في ذلك الوقت في مصر ينتمون جميعًا إلى إقليم حراسة الأرض المقدسة، لديهم حاليًا هناك ستة عشر مقرًا، ويخدمون جميع الكنائس اللاتينيَّة في مصر السفلى والوسطى؛ في الإسكندريَّة؛ في القاهرة الكبرى؛ في بورسعيد، على البحر الأبيض المتوسط، عند مدخل القناة البحريَّة الكبرى؛ في الإسماعيليَّة، في وسط القناة؛ في السويس، بالقرب من خليجها على البحر الأحمر؛ في كفر الزيات، على أحد فرعي النيل العظيمين[15]… في هذه الإرساليَّة الكبيرة وقعت الأحداث الكئيبة، التي سنعرض بعض حلقاتها المؤثرة هنا.


[1] إن المصريين المساكين، مع كلّ علمهم، كانوا هم الذين عبدوا حتّى البصل الذي ينمو في حديقتهم.  وقد صدق فيهم قول بوسويه (Bossuet) الرائع: إن كلّ شيء بالنسبة إليهم هو الله، إلّا الله نفسه.  وحتّى يومنا هذا، كما رأينا، في مدينة القاهرة الملكيَّة يقيمون لفيضان النيل الاحتفالات الباذخة.

[2] أقل بقليل من سبعة ملايين فدان.

[3] حيث تمر اليوم القناة البحريَّة الكبرى.

[4] العقدة كمقياس تبلغ نحو خمس كيلومترات ونصف. (المترجم)

[5]  الرياح الحارقة في الصحراء، ونحن سوف نصف في مكان آخر هذه الظاهرة الغريبة.

[6] الرياح الصحراويَّة المحترقة. سنصف هذه الظاهرة الغريبة في مكان آخر.

[7] للوهلة الأولى ينتاب المرء شعوراُ بأنه لابد أن يكون مخطئا. هذا هو التأثير الذي يبدوا على كلّ أولئك الذين يشاهدون مثلنا هذه الظاهرة الرائعة عن قرب.

[8] الكون البديع، مصر الحديثة.

[9] يسعدنا أن نقتبس هذا الفصل بأكمله من حياة القديس “فرنسيس الأسيزي”، كتبه أحد إخواننا في الرهبنة “الأب ليوبولد من شيرانسيه” [9](R.P. Leopold de Chérancé)،

“إن طريق الرهبنة، الذي يتساوى فيه سمو الفكر مع نبل الأسلوب، بفضل انتشاره الواسع، يستمر في جعل أبينا الساروفي محبوب دائمًا أكثر، في نفس الوقت الذي يجذب فيه عددًا هائلًا من النفوس ليسوع المسيح، سيدنا الإلهي!”

[10] هو المجمع الذي انعقد في أواخر 1095 في فرنسا، وأعلن فيه البابا أوربان الثاني انطلاق الحملات الصليبيَّة (المترجم).

[11] ميناء إيطالي على البحر الأدرياتيكي (المترجم).

[12] بشهادة العديد من الكتاب، مثل “ألبرت من ستاد” (Albert de Stade) و”ماثيو من باريس” (Mathieu Paris) والقديس “أنطوان من فلورنسا (Antoiiin de Florence)”.

[13] مرسوم 21 نوفمبر 1342.

[14] القديس فرنسيس الأسيزي؛ الفصل. الحادي عشر.

[15] إن الفرنسيسكان المحافظين المتشددين، أو الفرنسيسكان المُصلَحون يعملون في مصر العليا أو الصعيد.


[1] كنا قد قمنا برحلة أولى في السنوات 1881-1882.

Leave A Reply